الأخبار

العقول.. السلاح السري في حرب الذكاء الاصطناعي العالمية

لا تبدأ معركة الذكاء الاصطناعي دائماً في مصانع الرقائق الإلكترونية، ولا تنتهي عند أبواب مراكز البيانات الضخمة التي تلتهم خوادمُها كميات هائلة من الكهرباء. ففي مكان آخر من هذا السباق المحموم، قد يكون الفارق بين شركة تقترب من حدود التقنية وأخرى تتقدم عليها باحثاً واحداً، أو فريقاً نادراً قادراً على تحويل فكرة مجردة إلى نموذج ذكي يُغير قواعد المنافسة بأكملها.

بناءً على ذلك، لم تعد المنافسة التكنولوجية تدور حول من يمتلك الحواسيب الأقوى والرقائق الأكثر تقدماً فحسب، بل حول من يستطيع استقطاب العقول البشرية التي تعرف كيف تستخدم هذه الموارد لدفع التكنولوجيا إلى الأمام. وبين الولايات المتحدة والصين، تتخذ هذه المنافسة شكلاً متزايد الحدة بين دول تسعى لتدريب الكفاءات والاحتفاظ بها، وشركات تتنافس على الباحثين الأكثر خبرة.

الصين تنتج العقول وأمريكا تستقطبها
تكشف البيانات الصادرة عن دراسة "من يتقدم في سباق مواهب الذكاء الاصطناعي العالمي؟" (Who’s Ahead in the Global AI Talent Race)، الصادرة عن مؤسسة "كارنيغي الصين" (Carnegie China)، عن تحول لافت في التوزيع الجغرافي لنخبة الباحثين حول العالم.

فبحسب عينة الدراسة من الباحثين الذين نشروا أبحاثاً في مؤتمر "نظم معالجة المعلومات العصبية" (NeurIPS)، ارتفعت حصة من يعملون في مؤسسات صينية من 27% عام 2022 إلى 41% عام 2025، في حين تراجعت حصة العاملين في مؤسسات أمريكية من 46% إلى 34%.

ولا تعني هذه الأرقام أن الصين تجاوزت الولايات المتحدة في جميع جوانب الذكاء الاصطناعي، إلا أنها تشير إلى تغير جوهري في مواقع عمل الباحثين الذين يسهمون في تطوير الأبحاث المتقدمة.

وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة "بيني يانغ"، المشاركة في إعداد الدراسة، أن الصين أصبحت أكبر دولة في العالم من حيث إنتاج الكفاءات المتميزة في الذكاء الاصطناعي، في حين تواصل الولايات المتحدة تصدرها بوصفها الوجهة الأكثر جذباً لهذه المواهب. وتضيف يانغ أن نحو نصف المواهب الصينية التي تغادر البلاد ينتهي بها المطاف في الولايات المتحدة، مما يعكس توزيع الأدوار: الصين كمصدر رئيسي للكفاءات، وأمريكا كوجهة رئيسية للاستقطاب.

قدرة أمريكا على استبقاء الكفاءات الدولية
ارتفاع حصة الباحثين في المؤسسات الصينية لا يعني أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الاحتفاظ بالكفاءات التي استقطبتها. فالصورة أكثر تعقيداً من انتقال المواهب في اتجاه واحد.

توضح دراسة مسارات الباحثين الصينيين المنشورة عبر "كارنيغي للسلام الدولي" (Carnegie Endowment for International Peace) تفاصيل هذا التوازن:
- تتبعت الدراسة مسارات 100 باحث من أصول صينية كانوا يعملون في مؤسسات أمريكية عام 2019.
- أظهرت النتائج أن 87 باحثاً منهم ظلوا يعملون في مؤسسات أمريكية بحلول عام 2025.
- انتقل 10 باحثين فقط إلى مؤسسات صينية، بينما توجه 3 باحثين إلى مؤسسات في دول أخرى.

ويرى "جاكوب فيلدغويز"، كبير محللي أبحاث البيانات في مركز الأمن والتكنولوجيا الناشئة (CSET) بجامعة جورج تاون، أن تزايد نسبة الباحثين من أصول صينية الذين يختارون البقاء في الصين أو العودة إليها يمثل أحد أهم التحولات الهيكلية الجارية في توزيع المواهب العلمية والتقنية عموماً.

قيود الهجرة.. ثغرة في جدار التفوق الأمريكي
لا تتحدد وجهة الباحثين بالفرص العلمية والموارد التقنية وحدها، إذ تؤثر السياسات الحكومية والعلاقات الدولية مباشرة في قراراتهم.

يوضح جاكوب فيلدغويز أن التوترات السياسية بين واشنطن وبكين، إلى جانب قيود الهجرة الأمريكية، تشكل عوامل قد تثني الكفاءات الدولية عن العمل أو الدراسة في الولايات المتحدة. وبحسب دراسة استقصائية أجراها مركز (CSET)، فإن نحو ثلث الخريجين الجدد من برامج الذكاء الاصطناعي الذين غادروا الولايات المتحدة اعتبروا تعقيدات الهجرة عاملاً رئيسياً في قرارهم.

ورغم هذه التعقيدات، لا تزال الإنجازات التقنية لشركات التكنولوجيا الأمريكية والوفرة النسبية في القدرة الحاسوبية تجعل أمريكا بيئة بيئية جاذبة للغاية للباحثين من مختلف أنحاء العالم.

الرواتب الضخمة وحدها لا تحسم المنافسة
إذا كانت القيود السياسية تؤثر في اختيار الدولة، فإن العوامل التي تجذب الباحثين إلى شركة بعينها تتجاوز مجرد قيمة الراتب الشهري.

تؤكد الباحثة "بيني يانغ" أن التعويضات المالية لم تعد العامل الأكثر حسماً؛ نظراً لأن الرواتب لدى الشركات الكبرى في مراكز التقنية مثل شنتشن وسنغافورة ووادي السيليكون أصبحت متقاربة إلى حد كبير.

وتكمن العوامل الحقيقية للحسم في النواحي التالية:
- توفير ثقافة بيئة عمل تقدر البحث المتقدم وتمنح الباحثين الاستقلال الفكري.
- منح حرية المرونة والتجريب لتجاوز حدود التقنية القائمة.
- إتاحة الفرصة لإنجاز أعمال ذات أثر علمي ومجتمعي يتجاوز المكاسب المالية المجردة.

سباق عالمي يتجاوز واشنطن وبكين
رغم صدارة الولايات المتحدة والصين للمشهد، فإن حركة المواهب تتأثر بتغيرات أنماط التنقل المهني العالمي. فقد رصد تقرير "مجموعة بوسطن الاستشارية" (BCG) تراجعاً في انتقال المهنيين ذوي المهارات العالية عبر الحدود بنسبة 11.6%، وكان التراجع أوضح بين مواهب الذكاء الاصطناعي بنسبة 12% والباحثين بنسبة 19%.

في النهاية، لن يتحدد موقع الدول في سباق الذكاء الاصطناعي المشتعل بقدرتها على جذب العقول المتميزة فحسب، بل بما تتيحه لهذه العقول من حرية، وموارد، وفرص حقيقية لتحويل الأفكار والخبرات إلى إنجازات تقنية تقود المستقبل.