لم تعد الروبوتات الشبيهة بالبشر مجرد نماذج تجريبية أو عروض مستقبلية، بل أصبحت واقعًا يتقدم بسرعة مذهلة. خلال الأسابيع القليلة الماضية، شهد العالم سلسلة من التطورات اللافتة التي تؤكد أن الروبوتات دخلت مرحلة جديدة، تجاوزت فيها مهام كانت حكرًا على الأيدي البشرية الماهرة.
من الصين إلى الولايات المتحدة، ومن المصانع إلى المنازل، بات واضحًا أن الذكاء المتجسد والروبوتات البشرية يعيدان رسم حدود ما يمكن للآلات القيام به.
روبوت صيني يؤدي تطريزًا يدويًا على المسرح
في 22 ديسمبر، كشفت شركة Tar Robotics الصينية خلال حدث حي عن إنجاز غير مسبوق في عالم الروبوتات.
فبدلًا من رفع الصناديق أو تنفيذ حركات استعراضية، جلس روبوت شبيه بالبشر على خشبة المسرح وقام بأداء تطريز يدوي حقيقي أمام الجمهور.
الروبوت قام بإدخال الخيط في الإبرة، واستخدم كلتا يديه بخفة ودقة، وخاط شعارًا حيًا بدقة تصل إلى أجزاء من المليمتر.
ورغم أن الأمر قد يبدو بسيطًا لمن لم يجرب الخياطة، إلا أن الخبراء يدركون أن هذه المهمة من أعقد التحديات في مجال الروبوتات.
الخيط يتمدد ويلتف، والقماش يتحرك ويتغير شكله باستمرار، وأي خطأ بسيط قد يؤدي إلى انقطاع الخيط أو فشل الغرزة بالكامل.
لهذا السبب، كانت الأعمال الدقيقة طويلة المدى باستخدام اليدين تُعد لسنوات طويلة خارج نطاق الأتمتة.
لماذا يُعد هذا الإنجاز نقطة تحول؟
الروبوت لم يُظهر فقط تحكمًا حركيًا متقدمًا، بل أظهر ما يُعرف بـ الذكاء المتجسد، حيث تعمل الرؤية والتحكم في القوة والتوازن والتنسيق الحركي كنظام واحد متكامل.
هذا الإنجاز يفتح الباب أمام أتمتة مهام كانت تعتمد حتى الآن على العمالة البشرية الماهرة، مثل:
- تجميع الأسلاك الدقيقة
- الإلكترونيات الحساسة
- التجميع الميكانيكي عالي الدقة
وهي مجالات لا تزال المصانع تعتمد فيها على البشر بسبب تعقيدها.
ثالوث البيانات والذكاء الاصطناعي والفيزياء
خلال الحدث، أوضح الرئيس التنفيذي لشركة Tar Robotics، الدكتور تشين يولون، أن هذا التقدم جاء نتيجة اعتماد الشركة على ما أسماه نهج الثالوث:
- البيانات
- الذكاء الاصطناعي
- الفيزياء
بدلًا من تطوير كل عنصر على حدة، يتم ربط جمع البيانات الواقعية، وتدريب النماذج، وتشغيل الروبوتات في حلقة واحدة مستمرة.
تعتمد الشركة على منصة SenseHub لجمع بيانات تشغيل حقيقية، تُغذّى إلى نموذج الذكاء المتجسد AWE 2.0، الذي لا يُدرّب على مهام محددة، بل على مهارات فيزيائية عامة قابلة للنقل بين المهام.
والأهم أن الفجوة بين العالم الرقمي والعالم الحقيقي أصبحت صغيرة جدًا، ما يسمح للمهارات المتعلمة بالانتقال مباشرة إلى الواقع دون انهيار الأداء.
شركة ناشئة بعمر أقل من عام وإنجازات ضخمة
اللافت أن شركة Tar Robotics تأسست في 5 فبراير 2025 فقط، ومع ذلك تمكنت خلال أقل من عام من تقديم عروض حية بقدرات كان يُعتقد أنها تحتاج لسنوات.
هذا التقدم جذب انتباه المستثمرين، حيث جمعت الشركة:
- 120 مليون دولار في جولة Angel
- 122 مليون دولار في جولة Angel Plus
تطور الروبوتات البشرية في الولايات المتحدة
في الولايات المتحدة، عرضت شركة Figure AI نموذجها الجديد Figure 03 في مقطع غير رسمي قبل عيد الميلاد.
الروبوت أجرى محادثات، وتعرف على الأشياء بصريًا، ونفذ مهام بسيطة مثل اختيار قمصان بمقاسات مختلفة وتسليمها بدقة.
يعمل الروبوت بنظام Helix، الذي يدمج الرؤية واللغة والحركة في نموذج واحد.
ورغم الإعجاب الكبير، لاحظ المتابعون وجود تأخير زمني بسيط في الردود، ما يسلط الضوء على تحدٍ لا يزال قائمًا في الروبوتات البشرية: زمن الاستجابة في الحوار.
ومع ذلك، يتميز Figure 03 بحجم أصغر ووزن أخف، وسرعات حركة محسّنة، وقدرة على الشحن اللاسلكي، ما يجعله مناسبًا للاستخدام المنزلي.
روبوتات المستهلكين تدخل السوق بقوة
في تطور لافت آخر، أطلقت شركة Vita Dynamics روبوت كلب يعمل بالذكاء الاصطناعي تحت علامة Vbot.
وخلال 52 دقيقة فقط، تم بيع أكثر من 1000 وحدة، في مؤشر قوي على وجود طلب حقيقي على منتجات الذكاء المتجسد الاستهلاكية.
الروبوت يعمل بشكل مستقل تمامًا، ويعالج البيانات محليًا للحفاظ على الخصوصية، ويعتمد على عتاد قوي مستوحى من تقنيات السيارات الكهربائية.
الروبوتات تحل محل العمالة في المصانع
في المصانع، لم يعد الأمر تجريبيًا.
أطلقت شركة CATL، أكبر مصنع بطاريات سيارات كهربائية في العالم، أول خط إنتاج واسع النطاق يعمل بروبوتات بشرية.
الروبوت Xiaomo ينفذ مهام حساسة في اختبارات البطاريات بدقة تفوق 99%، ويحقق إنتاجية تعادل ثلاثة أضعاف العمل البشري، مع ثبات وجودة أعلى.
Atlas يستعد للظهور العالمي في CES 2026
وأخيرًا، يستعد روبوت Atlas الشهير من تطوير Boston Dynamics، وبدعم من مجموعة Hyundai، للظهور العلني الأول في معرض CES 2026.
يمثل Atlas خلاصة عقود من البحث والتطوير في الروبوتات، من مختبرات MIT إلى المصانع والمعارض العالمية، ويُعد رمزًا للتحول الجذري الذي يشهده هذا القطاع.
خلاصة
ما كان يُعد خيالًا علميًا قبل سنوات قليلة أصبح اليوم واقعًا يتشكل بسرعة.
الروبوتات الشبيهة بالبشر لم تعد تتعلم فقط، بل بدأت تعمل، وتنتج، وتنافس الإنسان في مجالات معقدة وحساسة.
وما نشهده الآن قد يكون مجرد البداية.
